من هو جلال الدين الرومي

من هو جلال الدين الرومي

جلال الدين الرومي

«هكذا أريد أن أموت في العشق الذي أكنه لك كقطع السحاب تذوب في ضوء الشمس»

ذاك العاشق المتلاشي في ذات المعشوق كنقطة في بحر أو كنجمة في مجرة لن توجد إن انفردت، فكان الحب عنده مطلقاً لا حدود له مترفعاً عن ذرات المادة والجسد، أما اسمه يكفي ليختصر فكراً لن تفيه البحور، كان جواب كل سؤال وطريق كل ضال.

أم جلال الدين الرومي هي مؤمنة خاتون ابنة خوارزم شاه علاء الدين محمد، أما والد جلال الدين الرومي هو بهاء الدين ولد الملقب بسلطان العارفين لسعة معرفته وعلمه بالدين والقانون والتصوف، أما زوجته جوهر خاتون وأولاده منها: سلطان ولد وعلاء الدين شلبي، أما ابنه أمير العلم شلبي، وابنته ملكة خاتون فمن زوجته المسيحية.

غزو المغول كان بداية رحلة جلال الدين الرومي فهاجرت عائلته إلى نيسابور، ليلتقي جلال الدين الرومي الشاعر الفارسي الكبير فريد الدين العطار الذي أثر بشعره فكان دافعاً لغوصه في عوالم الشعر والروحانيات والمثل الصوفية، لينتقل إلى بغداد التي فتحت له الأبواب للقاء العديد من العلماء والمتصوفين والفقهاء وهناك لقب جلال الدين الرومي بجلال الدين، ليتابع الترحال إلى دمشق التي صقلت جوهرة عقله وقلبه بمساجدها وتكاياها وزوياها مع أعظم العلماء والمفكرين، ومنها إلى مكة المكرمة رغبة في الحج، ليواصل المسير للأناضول مستقراً في «كارمان» حيث توفيت والدته.

جلال الدين الرومي

من هو جلال الدين الرومي

بلغ تأثير مولانا جلال الدين الرومي

أصقاع الأرض حيث كرس حياته من أجل تجسيد مبادئ الحب المعبرة عن مثالية روحية إسلامية تحمل في ثناياها جوهر الفلسفة الرامية والساعية للخالق على درب لا خوف فيه من نار ولا طمع فيه بجنة، ومحاولة لوصف درجات العشق ومراتبه التي يصل إليها ناشد الحب الإلهي.

في عام 1244 كانت نقطة التحول الكبرى في حياة جلال الدين الرومي حينما وصل إلى قونية شمس الدين التبريزي الصوفي الجوال قاطعاً المسافات ليكون رفيق روح الرومي الموحشة، التي استأنست بجواره فكان أحدهما روحاً والآخر جسداً، فعاش جنون عشق التبريزي الذي أحدث أثراً عظيماً في حياة جلال الدين الرومي الفكرية والإبداعية ومعرفته بالمقابل، فلم يفارقه حتى لحظة رحيله عن الدنيا على نحو يحيط به نوع من الغموض بسبب ما أحاطهما من حسد وضيق، ذاك اللقاء الذي به انطفأ شمس تبريز واحترق الرومي حزناً كعود عطر بكلمات من شعر ونثر وموسيقا ورقص تنعش للروح وتؤنس وحشتها.

كان لرواية الروائية التركية إليف شافاق دوراً مهماً في إنعاش سيرة جلال الدين الرومي وقصة حبه للتبريزي التي كان في كل خطوة فيها قاعدة للعشق تجمع التصوف والفلسفة والإيمان والحياة ضمن أربعين قاعدة، كان الحب خيطاً رفيعاً يربط قلوب العاشقين، لم يفهمه إلا كل محب ولم يحاربه إلا كل كاره بقلب أسود لم يعرف الإيمان وإن تلفظ به.

نظم الشعر بالعربية والفارسية والتركية من أهم آثار جلال الدين الرومي الأدبية غزله العرفاني الذي عكس حبه المتوحد مع الله فسال رحيقاً ذكياً في ملحمته الشهيرة «المثنوي» التي جمع فيها علمه وتجربته ممزوجاً بقيم قرآنية وحكم وألبسه معان ثمينة منتقاة بحذر وعناية، امتدت رباعية جلال الدين الرومي الخالدة على ستة مجلدات ضخمة تشتمل على 25649 بيتاً من الشعر استخدم فيها فن الحكاية المتقنة والترابط بين الشخوص والأحداث بمهارة سبقت عصره، مستخدماً عناصر ثقافته ورموزها وجعلها أطراً حملت أفكاره، فشبهه بعض النقاد بالقرآن وديوان شمس تبريز.

لم ينقطع جلال الدين الرومي عن الفقه فكتاب «المجالس السبعة» المشتمل على مواعظ وخطب، وكتابه «فيه ما فيه» مذكرات حول مجالس المتصوفين، إضافة إلى مجموعة من الرسائل الموجهة إلى شمس الدين التبريزي، والعديد من قصائد الشوق وألم الفراق والتوق إلى لقاء الحبيب الذي يربطه به ذلك الحب المتسامي الرفيع وهي مجموعة ضخمة من الملاحم والأشعار يصل عددها إلى 3500 قصيدة غنائية و2000 رباعية.

من هو جلال الدين الرومي

من هو جلال الدين الرومي

الموسيقى والرقص لم تكن محرمات عند جلال الدين الرومي إنما سبيل الوصول إلى الله، فكل منها خطوة تنقلك للتركيز بقوة حتى تفنى ثم تعود إلى الواقع بطريقة مختلفة في رحلة تصاعدية من خلال النفس والمحبة للوصول إلى الكمال فتخفت أنانيتك وتنضج روحك بالمحبة فتعشق الله وتخدم عياله، ليبتكر مع التبريزي طقوس الرقص الدائري «المولوي» مختصراً فكرة الكون بعمقه وجوهره، حيث حول الإنسان لجرم في الكون يسير لمستقره والله مركزه، أو طائف حول قلبه حيث يسكن الله ليرى الله، طقوس تابعها وأكملها من بعده ابنه سلطان ولد.

كانت تجربة جلال الدين الرومي روحية حية مكانها عقل القلب ذاته، رحلة ليس فيها غير الله، ينعدم فيها الخوف من عقاب أو الطمع بجنة وإنما حب له لأنه هو الحب والحبيب الأول وجوهر الكون، أما ولأن الوسيلة المثلى للوصول إلى الله هي القلب فقد أمن بأن عبادة أي منا لا يمكن اعتبارها طريقة ننتمي إليها بقدر ماهي دعوة إلى الحياة من خلال الحب، فكان الحب دعوة للتواضع والاعتدال مع الآخر، باحثين عن محبة الله والناس لتتجلى أسبابها ونتائجها في تجربة العشق، فكانت كلماته جامعة للديانات فكما نزلت من سماء واحدة وصدرت من جوهر واحد أعادها الرومي إلى ذلك الجوهر.

من لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقاً لا شيء فيه حي ومن المحبة تصبح كل المرارات حلوة ومن المحبة تصبح كل الآلام شافية، شفى أرواح مريديه بكلماته لكن شفائه اكتمل حين وفاته في 17 ديسمبر 1273 ووري الثرى في قونية، ليكون جلال الدين الرومي نجم هدى في حياته ومعشوقاً يهدي العشاق في مماته ويلهمهم طريق الحب بعلمه كما عبر عن ذلك بقوله:

«فلا تبحث عن ضريحنا في الأرض بعد وفاتنا فضريحنا قلوب العارفين»

جلال الدين الرومي

جلال الدين الرومي

حمل جلال الدين الرومي على أكتاف خمس من ملل مختلفة؛ لأن إيمانه كان سمحاً جذب الناس من حوله أياً يكن ما يرتدونه من ملل، فهو رأى في الديانات خيرة وحقيقية في مفاهيمها.